في بيتٍ في بعقلين، كان هناك طفل صغير يسمع صوت أمّه وهي تغنّي.
لم يكن يعرف يومها ما معنى الشهرة، ولا الحفلات، ولا الجمهور، ولا أن آلاف الناس سيحفظون صوته يومًا.
كان يعرف شيئًا واحدًا فقط:
أنه يحب أن يغنّي.
كانت والدته عايدة صاحبة صوت جميل، تغنّي في البيت، فيسمعها رامي ويحاول أن يغنّي معها. وهو نفسه روى لاحقًا أنها كانت أول من انتبه إلى موهبته، وأنه كان يسمع منها أم كلثوم ويحفظ الأغنيات وهو لا يزال طفلًا صغيرًا.
ربما تبدأ أشياء كثيرة في حياتنا بهذه البساطة.
من شخص ينتبه إلى موهبتنا، يؤمن بها، ثم يترك لنا جملة صغيرة ترافقنا طوال الطريق:
“هذه الموهبة تستحق أن تكبر.”
لم تكن والدة رامي فقط المرأة التي أحبّت صوته. كانت أيضًا المعلّمة الصارمة في حياته.
عملت مديرة مدرسة لسنوات، وروى رامي أن تربيتها كانت شديدة، وأن الدراسة والانضباط لم يكونا موضوعًا قابلًا للتفاوض معها. حتى دراسته الجامعية أكملها، كما قال، إرضاءً لها وتحقيقًا لما كانت تتمناه له.
والأجمل أن الأم التي اكتشفت موهبته لم تتعامل لاحقًا مع نجاح ابنها وكأنه امتياز لها.
كانت تذهب إلى حفلاته من دون أن تخبره أحيانًا… وتشتري تذكرتها مثل أي شخص آخر من الجمهور.
أما المرة التي كسرت فيها هذه القاعدة، فكانت في دار الأوبرا المصرية.
كان لديها حلم أن ترى ابنها يغنّي هناك.
وتحقق الحلم.
تخيّلوا المشهد…
الأم التي كانت تسمع طفلها يغنّي في البيت، جلست بعد سنوات بين الجمهور، تراه على مسرح كبير، وتستعيد ربما ذلك الطفل الذي كانت أول من آمن بصوته.
وبين المشهدين عمر كامل.
كانت الأم أول من انتبه إلى صوته، أما والده فكان له دور آخر في الحكاية.
كان رامي في الثامنة أو التاسعة من عمره عندما بدأ والده يصطحبه لتعلّم العزف على العود، في رحلة تمتد لنحو ساعة ونصف، يقطعها معه ذهابًا إلى درس الموسيقى.
لكن الطريق يومها لم يكن سهلًا، ولا كانت الظروف عادية.
كان لبنان يعيش سنوات الحرب، وكان طفل صغير يعبر كل تلك المسافة برفقة والده من أجل شيء واحد… أن يتعلّم الموسيقى.
كان لبنان يعيش الحرب، ورامي يتذكر القذائف والاشتباكات في الطريق.
ومع ذلك، كان الأب يأخذ ابنه ليتعلّم.
ربما لهذا لا تبدو قصة رامي مع الموسيقى قصة موهبة فقط.
هناك أب خاطر وتعب كي يتعلّم ابنه.
وأم سمعت فيه شيئًا جميلًا قبل الجميع.
وهنا ربما نتعلّم أول درس من الحكاية:
خلف طفل موهوب، قد يكون هناك شخص لم يستهِن بموهبته.
كبر رامي قليلًا، ولم تعد موهبته حكاية يعرفها أهل البيت فقط. بدأ صوته يلفت من حوله، وبدأت الموسيقى تأخذ مساحة أكبر في حياته.
كان يغنّي في حفلات المدرسة وأعياد الميلاد ومناسبات بلدته، وروى لاحقًا أنه كان يُلقّب بـ«الطفل المعجزة».
ثم جاء «استديو الفن».
كان لا يزال في السادسة عشرة تقريبًا عندما دخل البرنامج في موسم 1996–1997، وهناك بدأت الحكاية تتحول من موهبة يعرفها أهل البيت والبلدة… إلى بداية مهنة حقيقية.
لكن الطريق لم يقل له: تفضّل، كل شيء سيكون سهلًا.
بعد «استديو الفن» مرّ بخلافات وأزمة في بداياته، ثم ذهب إلى مصر، وهناك وجد فرصة جديدة وبدأ مرحلة مختلفة من حياته الفنية. وقد تحدث بنفسه عن فضل مصر عليه في تلك الفترة.
وهنا درس آخر:
أحيانًا، الباب الذي يُغلق في وجهك لا ينهي الطريق… بل يغيّر عنوانه فقط.
وبعدها جاءت الأغنيات، واحدة بعد أخرى.
«لعيونك بدي غني»، «بغنيلها وبدقلها»، ثم محطات كبرت معها مسيرة رامي عياش، وصولًا إلى أعمال مثل «قلبي مال» وغيرها من الأغنيات التي رافقت أجيالًا من الجمهور.
لكن قصتنا ليست عن عدد الأغنيات.
ولا عن عدد الحفلات.
لأن أجمل ما في حكاية الإنسان غالبًا يحدث بعيدًا عن المسرح.
ثم جاءت داليدا…
في حياة مليئة بالسفر والحفلات والناس، التقى رامي داليدا.
تحدث عنها لاحقًا بكثير من المحبة، وقال إن ما جذبه إليها كان جمالها وهدوءها وأخلاقها، وإنه قبل أن تتطور العلاقة اتجه إلى عائلتها وتعرّف إليها.
وتزوجا عام 2013.
ومع السنوات لم تعد داليدا فقط زوجة الفنان.
صارت شريكته في البيت والعائلة، وكذلك في العمل الإنساني الذي يحمله من خلال «عياش الطفولة».
ثم جاء آرام.
وبعده أيانا.
ثم ألارا.
والرجل الذي كان يومًا طفلًا تمسك والدته بيده… أصبح اليوم أبًا يمسك بأيدي أطفاله الثلاثة.
أب يلعب، يحتضن، يشارك أولاده أيامهم ومدرستهم وتفاصيلهم، وداليدا نفسها قالت إن رامي، رغم عمله وسفره، يخصص وقتًا للأولاد، ويحضر مناسباتهم المدرسية ويكون أحيانًا «صوت العقل» في البيت.
وكأن الحياة تعيد الحكاية بطريقة أخرى.
كان أبوه يأخذه إلى درس العود…
واليوم هو الأب الذي يمشي إلى جانب أولاده.
وربما لهذا بقي الطفل حاضرًا فيه
هناك تفصيل مهم جدًا في قصة رامي.
الطفل الذي حظي بأب وأم تعبا لتعليمه، كبر ولم ينسَ أن أطفالًا كثيرين قد يملكون الموهبة نفسها… لكن لا يملكون الفرصة نفسها.
ومن هنا جاءت «عياش الطفولة».
جمعية جعلت التعليم في صلب عملها، وساعدت أطفالًا وطلابًا على متابعة دراستهم. رامي قال إن والده علّمه بأفضل طريقة رغم الظروف والخطر، وربط هذه التجربة برغبته في مساعدة أطفال آخرين على الحصول على فرصة التعليم.
وهنا تصبح الحكاية أجمل.
لأن الإنسان عندما يكبر، قد يتذكّر كل ما أعطته إياه الحياة، وقد يختار أن يمنح الآخرين شيئًا مما حصل عليه.
وهناك شيء آخر في رامي تلاحظه «كوليس»…
النجاح قد يمنح الفنان أغنيات وحفلات وجمهورًا كبيرًا، لكن هناك أشياء لا تأتي مع الشهرة، ولا تمنحها الأرقام أو الحملات الإعلامية.
ومن أجمل ما تلاحظه «كوليس» في رامي عياش أنه يعرف قيمة كل شخص وقف إلى جانبه، مهما كان ما قدّمه بسيطًا.
كلمة جميلة، رسالة، حضور حفل، دعم في موقف، أو حتى لفتة صغيرة… بالنسبة إليه، لا تمرّ وكأنها أمر عادي.
لا يتعامل مع محبة الناس على أنها حق مكتسب، بل يقدّرها ويعرف قيمة أصحابها، ويجعل من دعمه يشعر بأن ما فعله وصل إليه، وأنه لم يمرّ من دون تقدير.
وربما هنا يظهر أجمل ما في الإنسان…
ليس فقط أن يتذكّر من وقف معه في البدايات، بل أن يبقى قادرًا، مهما كبر اسمه، على تقدير كل يد تمتد إليه بمحبة.
وهنا نصل إلى الفانز…
أما جمهور رامي، فله مكان خاص في هذه الحكاية.
سنوات من المحبة قرّبت رامي من جمهوره أكثر، وجعلت العلاقة بينهم دافئة ومليئة بالوفاء. و«كوليس» عرفت هذا الجمهور عن قرب، فوجدت فيه الكثير من صفات رامي نفسه.
ومن تجربتنا معهم، نستطيع أن نقول إن فانز رامي يشبهونه كثيرًا.
في الذوق، والاحترام، والتقدير، وحتى في طريقتهم في التعبير عن محبتهم له.
يفرحون لنجاحه، يقفون إلى جانبه ويتابعون خطواته بمحبة، والأجمل أن كل ذلك يرافقه أسلوب راقٍ وأدب في التعامل.
و«كوليس» لديها علاقة جميلة جدًا معهم، وربما لهذا نشعر دائمًا أن المسافة بيننا وبينهم قريبة وكلها محبة.
وبعد كل هذه السنوات…
ربما أجمل ما نتعلّمه من حكاية رامي عياش أن النجاح الحقيقي يظهر أيضًا في الطريقة التي نحمل بها الناس معنا ونحن نكبر.
أن نتذكّر من آمن بنا، ومن وقف إلى جانبنا، ومن منحنا فرصة، ومن أحبنا بصدق.
أن نعرف قيمة العائلة، وقيمة الصديق، وقيمة الجمهور، وحتى قيمة كلمة جميلة جاءت في وقتها.
فالمحبة التي نحصل عليها في الطريق تكون أجمل عندما نعرف كيف نردّها محبة، والتقدير الذي نمنحه للآخرين يعود إلينا بصورة أو بأخرى.
وهذا ما أحبّت «كوليس» في حكاية رامي…
كلما كبر اسمه، بقي تقديره للناس حاضرًا.
وربما هذه هي الحكمة الأجمل:
قد يأخذك النجاح إلى أبعد الأماكن، لكن أجمل ما في الرحلة أن يبقى قلبك قريبًا من كل من أحبك ووقف معك.
ليما الملا.

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة
