حين يتراجع صوت النار، لا يعني ذلك أن الحكاية انتهت… بل ربما تبدأ من جديد، بصيغة أكثر تعقيدًا. فلبنان اليوم لا يعيش لحظة “سلام”، بل لحظة فاصلة بين ما كان… وما قد يكون.
مع إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، تحرّكت آلاف العائلات نحو الجنوب، نحو بيوتٍ تركوها تحت ضغط الخوف، وذكرياتٍ لم تُغادرهم يومًا. المشهد لا يُشبه عودةً عادية، بل أقرب إلى رحلة اختبار: هل ما زالت البيوت قائمة؟ وهل ما زالت الحياة ممكنة؟
الطرقات امتلأت بسيارات تحمل وجوهًا متعبة… لكنها متمسكة بخيط أمل. عودة الناس ليست فقط فعلًا إنسانيًا، بل رسالة سياسية غير معلنة: أن الأرض لا تُترك، حتى لو تغيّرت معالمها.
لكن، خلف هذه العودة، تُرسم معادلة أكبر.
وقف إطلاق النار لم يكن حدثًا معزولًا، بل جزءًا من مشهد إقليمي أعقد، حيث تُفتح ملفات أكبر من حدود لبنان. فهذه الهدنة تُزيل واحدة من أهم العقبات أمام محادثات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت تبحث فيه القوى الكبرى عن إعادة ترتيب التوازنات، لا فقط إطفاء الحرائق.
وهنا، يطرح السؤال الحقيقي:
هل لبنان جزء من الحل… أم فقط ساحة تُدار عليها التفاهمات؟
حزب الله، الطرف الأساسي في هذا المشهد، لم يُعلن موقفًا واضحًا من الهدنة. هذا الصمت ليس تفصيلًا، بل عنصرًا حاسمًا في قراءة المرحلة المقبلة. فالموافقة أو الرفض لا تُحسب بالكلمات فقط، بل بما سيحدث على الأرض في الأيام القادمة.
في السياسة، الصمت أحيانًا أبلغ من التصريحات.
الهدنة، في ظاهرها، توقف لإطلاق النار… لكنها في عمقها إعادة تموضع. إسرائيل حققت جزءًا من أهدافها الميدانية، والولايات المتحدة تسعى لفتح نافذة تفاوض أوسع، بينما إيران تراقب المشهد بدقة، مدركة أن أي خطوة الآن قد تُعيد رسم خطوط النفوذ في المنطقة.
أما لبنان، فيقف في المنتصف… بين عودة أهله، وتعقيد موقعه.
العودة إلى الجنوب ليست نهاية القصة، بل بدايتها. لأن التحدي الحقيقي ليس في الوصول إلى البيت، بل في القدرة على البقاء فيه. فهل تكون هذه الهدنة مدخلًا لاستقرار طويل؟ أم فقط استراحة قصيرة قبل جولة جديدة؟
في لبنان، لا شيء يحسب باللحظة… بل بما يليها.
اقرأ أيضًا: استشهاد علي يونس وابنته بغارة همجية للعدو
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

