لم تكن كلمة “تبت…” تفصيلًا عابرًا في نشيدٍ أدّاه المنشد الكويتي مشاري راشد العفاسي، إنما كانت شرارةً كفيلة بإشعال جدل واسع تجاوز حدود التوقع. كلمة قصيرة… لكنها فتحت بابًا طويلًا من التأويل، والنقد، والهجوم.
ما حدث لم يكن اختلاف في الرأي، بل تحوّل سريعًا إلى موجة قاسية، تجاوزت النقاش الفني أو حتى النقد المشروع، لتصل إلى مساحات من التجريح الشخصي، وإقحام الدين بطريقة لا تخدم لا الفكرة ولا الموقف.
لكن السؤال الأهم هنا ليس: هل كانت الكلمة موفقة أم لا؟
بل: كيف نتعامل مع الخطأ—إن اعتبرناه خطأ؟
العفاسي، سواء اتفقنا أو اختلفنا معه، لم يتحدث من فراغ. هو عبّر عن حالة إنسانية واضحة: ألم، غضب، وصدمة، في وقت شهدت فيه المنطقة لحظات صعبة، كان فيها الخليج يتعرض لهجمات دون أن يكون طرفًا مباشرًا في الصراع.
وهنا تظهر المفارقة.
البعض وقف عند كلمة “تبت”، وكأنها الحدث الأهم، وترك ما هو أكبر:
مشهد القصف… الخوف… التهديد… والواقع الذي عاشه الناس.
أين كانت هذه الحساسية عندما كانت الصواريخ تسقط؟
أين كان هذا الغضب عندما كان الأبرياء يُدفعون إلى قلب معادلات لا تخصهم؟
ليس المطلوب أن يتفق الجميع مع ما قيل. وليس المطلوب الدفاع الأعمى عن أي شخص. لكن ما يُطرح بوضوح هو: لماذا يتحول الخلاف إلى هجوم؟ ولماذا يُستبدل النقاش بالتجريح؟

الكلمة قد تُخطئ، نعم.
لكن الرد على الكلمة لا يجب أن يكون أكثر خطأً منها.
العفاسي ليس اسمًا عابرًا، بل له حضور طويل في تلاوة القرآن والإنشاد، وبمبادرات إنسانية تركت أثرًا في أكثر من مكان. فهل يُختصر هذا التاريخ كله في عبارة واحدة؟
وحتى لو افترضنا—جدلًا—أن ما قاله لم يكن في مكانه، فهل يكون التصحيح بالإهانة؟
أم بالحوار؟
في المقابل، هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها:
دول الخليج، وعلى رأسها الكويت، كانت—ولا تزال—في مقدمة الصفوف عندما يتعلق الأمر بالعطاء الإنساني.
من دعم القضايا العربية، إلى إغاثة المنكوبين، إلى إرسال الفرق الطبية في أصعب الظروف… سجل واضح لا يحتاج إلى تذكير، لكنه كثيرًا ما يُنسى في لحظات الانفعال.
وهنا يصبح السؤال أعمق:
لماذا نتذكر الزلات بسرعة… وننسى المواقف بصمت؟
ولماذا نُجيد الهدم… أكثر مما نُحسن البناء؟
المجتمعات لا تُعفى من الوقوع في الخطأ، لكن قيمتها الحقيقية تظهر في قدرتها على التعامل معه بوعي ومسؤولية:
نقد بلا تجريح…
اختلاف بلا إساءة…
وتصحيح بلا كسر.
هذه ليست مثالية… بل ضرورة.
في النهاية، ما قاله العفاسي قد يُختلف عليه، لكن ما كُتب عنه—في بعض الحالات—كان أخطر من الكلمة نفسها.
لأن الكلمة قد تُفهم بطرق مختلفة،
أما التجريح… فلا يُفهم إلا بطريقة واحدة.
فهل نراجع أسلوبنا… قبل أن نحاكم كلمات الآخرين؟
اقرأ أيضًا: «القبس»… إعلام واضح يكتب التفاصيل كما هي، والحقيقة مسؤولية لا خبر عابر
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

