في خضم التوترات المتصاعدة التي تشهدها المنطقة، يعود الجدل مجدداً حول طبيعة العلاقة المعقدة بين دول الخليج وإيران، وهي علاقة تختلط فيها الجغرافيا بالتاريخ والسياسة بالأمن القومي. فدول الخليج التي اختارت منذ عقود مسار التنمية والانفتاح الاقتصادي، وجدت نفسها في السنوات الأخيرة أمام معادلة صعبة فرضتها التهديدات العسكرية والتوترات الإقليمية المتكررة.
لم يكن طموح دول الخليج، منذ اكتشاف النفط وبداية بناء الدولة الحديثة، أن تدخل في سباق تسلح أو صراعات جيوسياسية طويلة. بل كان الرهان الأساسي على تحويل المنطقة إلى نموذج تنموي متقدم، يقوم على الاستثمار في الاقتصاد والبنية التحتية والتعليم، ويجعل من مدن الخليج مراكز مالية وتجارية عالمية.
لكن الواقع الإقليمي لم يكن دائماً منسجماً مع هذه الرؤية. فالتوترات السياسية والتهديدات العسكرية، خصوصاً تلك المرتبطة بإيران منذ قيام الثورة عام 1979، فرضت واقعاً جديداً على دول الخليج، جعل الأمن القومي أولوية موازية لمشاريع التنمية.
في العلوم السياسية، يُستخدم مصطلح “العلاقات المضطربة” لوصف العلاقات بين الدول التي تجمعها الجغرافيا لكنها تفتقد الثقة السياسية. وهذا الوصف ينطبق إلى حد كبير على العلاقة بين إيران وجيرانها في الخليج. فحتى في الفترات التي تهدأ فيها الأزمات، يبقى عنصر الشك حاضراً في الحسابات الاستراتيجية.
التهديدات المتكررة، سواء عبر الخطاب السياسي أو عبر حوادث أمنية مثل استهداف دول المنطقة بالصواريخ أو الطائرات المسيّرة، دفعت دول الخليج إلى إعادة ترتيب أولوياتها. فبدلاً من التركيز الكامل على الاقتصاد والتنمية، أصبح من الضروري أيضاً بناء منظومة دفاعية متطورة قادرة على حماية الاستقرار الداخلي.
ولهذا شهدت المنطقة خلال العقود الماضية توسعاً في اتفاقيات الدفاع والتعاون الأمني مع القوى الدولية، إلى جانب الاستثمار في تطوير القدرات العسكرية والتكنولوجية. ولم يكن هذا الخيار تعبيراً عن رغبة في التصعيد، بقدر ما كان محاولة لخلق توازن ردع يحفظ الاستقرار.
وفي المقابل، يشير كثير من المحللين إلى أن المفارقة في المشهد الإقليمي هو أن إيران تمتلك إمكانات اقتصادية وبشرية وجغرافية كبيرة، كان يمكن أن تجعلها شريكاً تنموياً مهماً في المنطقة، لو تم توظيف هذه الإمكانات في مسارات التعاون الاقتصادي بدلاً من الصراع السياسي.
ومع ذلك، فإن التجربة التاريخية لدول الخليج، خصوصاً في مواجهة الأزمات، أثبتت أن العامل الأكثر أهمية في حماية الاستقرار لا يتمثل فقط في القوة العسكرية، بل في تماسك المجتمعات وثقة المواطنين في دولهم ومؤسساتهم.
لقد مرت المنطقة بمحطات صعبة، من الحروب الإقليمية إلى الأزمات الأمنية، لكن المجتمعات الخليجية حافظت في معظم الأحيان على تماسكها الداخلي، وهو ما يشكل اليوم أحد أهم عناصر القوة في مواجهة التحديات.
في النهاية، يبقى السؤال الأكبر الذي يطرحه كثير من المراقبين: هل تستطيع المنطقة الانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة التعاون؟
فالمستقبل الذي تطمح إليه شعوب الخليج لا يقوم على سباقات التسلح، بل على الاستقرار والتنمية والازدهار المشترك. غير أن تحقيق هذا المستقبل يبقى مرتبطاً بمدى قدرة القوى الإقليمية على إعادة تعريف أولوياتها، واختيار طريق الشراكة بدلاً من الصراع.
اقرأ أيضًا: التصعيد الأمريكي في المنطقة… هل بدأت مرحلة حسم الحرب مع إيران؟
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة


