تستطيع أن تختلف مع فنان، ثم تصغي إلى أغنيته وتقول: ما أجمل هذا الصوت. وتستطيع أن تنزعج من تصرّف زميل، من دون أن تُسقط تاريخه كله بسبب ذلك التصرّف. هذه المساحة بين الاعتراض والإنصاف تستحق أن نتوقّف عندها، خصوصًا في وسط فني تتحوّل فيه بعض التصريحات إلى معارك، وتضيع الملاحظة الأساسية بين الردّ والردّ المضاد.
من هنا، تبدأ كوليس مع رامي عياش؛ ففي حديثه عن شيرين عبد الوهاب وفضل شاكر خلال برنامج «المسار» مع الإعلامي رودولف هلال، ظهرت نقطة تستحق القراءة: يمكن للعتب أن يبقى واضحًا، وللتقدير أن يحتفظ بمكانه.
تحدّث رامي عن تجربته ضيفًا في برنامج «شيري ستوديو»، وشرح ما أزعجه في إدارة اللقاء وتنظيمه، وفق روايته. ومع اعتراضه، أقرّ بجمال صوت شيرين، وفصل بين موهبتها الغنائية ومتطلبات تقديم البرامج. كانت عبارته في وصف المقابلة بـ«الأبشع» حادّة، لكن التفاصيل التي شرحها نقلت الحديث إلى مسألة مهنية قابلة للنقاش.
وهنا نستطيع أن نخرج بفكرة مفيدة: النجاح في مجال لا يعفينا من التعلّم عندما ندخل مجالًا آخر. فالصوت الجميل له مكانته، وتقديم البرامج يحتاج إلى مهاراته الخاصة. وعندما نحدّد موضع الخلل، يصبح التحسين ممكنًا؛ إعداد أوضح، وتنسيق أفضل، واحترام لوقت الضيف.
وفي حديثه عن فضل شاكر، احتفظ رامي بتقديره للصوت والأغنيات، وتمنّى له التوفيق، كما عبّر عن محبته لمحمد شاكر. وفي الوقت نفسه، أوضح أن ما يزعجه هو إساءة سابقة يقول إنه تعرّض لها، وأن اتصالًا واعتذارًا يمكن أن يفتحا طريق ترميم العلاقة.
أن تقول للآخر ما أزعجك، وأن تترك له طريقًا للإصلاح، خطوة أساسية في النقد البنّاء. فالإنسان الذي يعرف أين أخطأ يستطيع أن يراجع نفسه. أمّا الذي يسمع حكمًا جارحًا على شخصه كله، فقد ينشغل بالدفاع عن كرامته، وتضيع الفكرة التي أردنا إيصالها.
ولا تعني هذه القراءة أن كل تعبير استخدمه رامي كان هادئًا، أو أن رأيه يحسم حقيقة الخلاف من طرف واحد. ما يستحق التقدير في هذين الموقفين هو احتفاظه بالاعتراف بموهبة زميليه رغم اعتراضه عليهما. فالإنصاف يُختبر عندما نختلف، لا عندما نكون راضين عن بعضنا.
وفي الوسط الفني أمثلة أخرى توضّح كيف يأخذ الأسلوب النقاش إلى اتجاه مختلف. ففي مطلع عام 2021، أثارت أغنية «في الحفلة» لمحمد فؤاد اعتراض الموسيقار الراحل حلمي بكر. ونقلت عنه صحيفة «الوطن» عبارة «بِعت نفسك بالرخيص»، قبل أن يردّ فؤاد بتصريحات قلّل فيها من أعمال بكر. هكذا اتّسع الخلاف من مناقشة اختيار غنائي إلى تبادل كلام يمسّ القيمة المهنية لكل طرف. ونشرت الصحيفة لاحقًا خبر اتصال للاعتذار وتقبّل فؤاد له.
كان يمكن لذلك النقاش أن يفتح أسئلة عن التجديد: هل تناسب الأغنية صوت فؤاد؟ ماذا أضافت إلى تجربته؟ وأين نجحت أو أخفقت موسيقيًا؟ لكن العبارة الشخصية دفعت الحوار إلى سؤال آخر: من أهان من، وكيف سيردّ عليه؟
لا نستطيع الجزم بأن إثارة الجدل كانت غاية أيّ طرف. نستطيع، مع ذلك، أن نقرأ أثر الكلمات: كلما ابتعد الكلام عن العمل واقترب من إهانة صاحبه، ضاقت فرصة الاستفادة منه.
تخيّلوا أستاذًا يستمع إلى طالب موهوب أخطأ في مقطع غنائي. يمكنه أن يقول أمام الجميع: «أنت لا تصلح للغناء»، ويمكنه أن يشرح له أن الطبقة المختارة لا تناسب صوته، ويقترح تجربة طبقة أخرى. في الحالتين هناك اعتراض، لكن في الثانية يعرف الطالب ما الذي يستطيع فعله غدًا.
وهذا ينطبق على الفنان والإعلامي، وعلى الصديق والزميل أيضًا. لا يكفي أن تكون لدينا ملاحظة صحيحة؛ علينا أن نحسن صياغتها، وأن نختار لها التوقيت والمساحة المناسبين. وبعض العتب الشخصي قد يبدأ باتصال، قبل أن يصبح عنوانًا يتناقله آلاف الناس.
والموضوعية لا تعني أن نضع مديحًا في مقدّمة كل انتقاد لإخفاء قسوته. تعني أن نعطي كل تفصيل حقّه، وأن نفرّق بين ما شاهدناه وما افترضناه، وبين ذائقتنا الخاصة والحكم المهني. قد لا تعجبنا أغنية، لكن ذلك وحده لا يجعل صاحبها بلا موهبة. وقد يخطئ فنان في تصريح، لكن تصريحه لا يختصر إنسانيته ومسيرته.
في رأي كوليس، الذكاء في النقد يظهر في السؤال الذي نتركه لدى الآخر: هل سيخرج من حديثنا وهو يفكّر كيف يتحسّن، أم كيف ينتقم؟ لا نتحكّم بردود الناس، لكننا مسؤولون عن عدالة كلامنا، وعن تجنّب السخرية والتجريح وتحريض الجمهور.
وللإعلام مسؤوليته هنا أيضًا. فإذا تحدّث فنان عن موهبة زميله، ثم اعترض على موقف له، فالأمانة تقتضي نقل المعنى كاملًا. اقتطاع العبارة الأقسى قد يجذب الانتباه، لكنه يحرم الجمهور من فهم الموقف، ويزيد المسافة بين أصحابه.
الفنان إنسان قبل أن يكون نجمًا. يحتاج إلى من يصارحه، ويستحق أن تبقى كرامته محفوظة وهو يسمع تلك المصارحة. وبين كلمة تساعده على مراجعة نفسه وكلمة تدفعه إلى الخصام، يظهر معدن المتحدّث بقدر ما يظهر رأيه.
وأنتم، عندما تسمعون فنانًا ينتقد زميله، ما الذي يقنعكم أكثر: قسوة العبارة، أم وضوح الملاحظة وعدالتها؟ وهل نستطيع أن نختلف مع شخص ونبقى منصفين لموهبته؟
اقرأ أيضًا: من حقّنا أن ننتقد دورها… فمن أعطانا حقّ محاكمة شرفها؟
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة
