في حالة بدا فيها العالم وكأنه يترقّب فصلًا جديدًا من التصعيد، خرج دونالد ترامب بخطابٍ أشبه بخاتمةٍ مكتملة، لا ينقصها سوى أن يُقرّها الواقع.
تحدّث بثقة من يرى النهاية بوضوح، أو ممن اختار أن يكتبها بنفسه، معلنًا أن إيران لم تعد كما كانت، بل ربما لم تعد كما ينبغي أن تُستحضَر، ولوّح بتهديدٍ يعيدها إلى ما يشبه العصر الحجري.
كان الوضع مريحًا على نحوٍ لافت؛ كل شيء يبدو محسومًا، مرتبًا، ومنتهيًا. الخصم تراجع، القدرات تآكلت، والخطر أصبح ذكرى.
لكن، وكما يحدث أحيانًا في القصص التي تُروى بسرعة، بقيت بعض التفاصيل الصغيرة خارج النص، مثل أصوات الصواريخ التي لم تقرأ البيان بعد، أو الأخبار التي لا تزال تتحدث بلغة الحاضر بدلًا من الماضي.
اللافت في الأمر ليس ما قيل، بل الطريقة التي قيل بها. نسمع ذلك الإيقاع الواثق الذي يجعل المستمع يميل للتصديق، حتى لو شعر — ولو للحظة — أن الصورة أكبر قليلًا من الإطار المعروض. فهنا، لا يتم فقط وصف ما حدث، بل يتم اقتراح كيف يجب أن نفهمه. وكأن الرواية لا تُنقل، بل تُمنح شكلها النهائي قبل أن تكتمل.
إيران، في هذا السياق، تبدو كأنها دخلت مرحلة جديدة من الوجود: دولة تم إعلان نهايتها… لكنها لم تتلقَّ الخبر بعد. تستمر في الحركة، في الرد، في الحضور، بينما تُروى عنها قصة مختلفة تمامًا. وربما هذه إحدى مهارات السياسة الحديثة؛ أن تسمح لشيئين متناقضين أن يتعايشا بهدوء، دون أن يشعر أحد بالحاجة الملحّة لحسم الأمر.
وفي الخلفية، يظهر عنصر أكثر هدوءًا، لكنه أكثر ثباتًا: الحسابات. ليس فقط حسابات القوة، بل حسابات السوق أيضًا. فبين كل جملة وأخرى، يمرّ شعور خفيف بأن الأمور، في النهاية، ستستقر لأن هناك ما يكفي من الموارد، وما يكفي من البدائل، وما يكفي من الثقة بأن العالم — مهما ارتبك — يعرف كيف يعيد ترتيب نفسه حول المصالح.
أما الحلفاء، فقد جاء ذكرهم بنبرة ودودة، تحمل في طياتها ذلك التوازن الدقيق بين الطمأنة والتذكير.
الجميع حاضر، الجميع مهم، لكن لكل طرف دوره، وكأن المشهد بأكمله مسرح كبير، لا يكتمل إلا إذا التزم كل ممثل بنصه… حتى لو كان النص قابلًا للتعديل أثناء العرض.
وبين إعلان النصر واستمرار الحديث عن خطوات قادمة، تتشكل مساحة رمادية يصعب تجاهلها. هل نحن أمام نهاية حقيقية، أم أمام بداية يتم تقديمها كخاتمة؟ السؤال يبقى مفتوحًا، ليس لأنه بلا إجابة، بل لأن الإجابة نفسها قد تتغير مع كل خطاب جديد.
في النهاية، يبدو أن القصة لم تنتهِ بعد، لكنها حصلت على عنوان نهائي مؤقت. عنوان أنيق، حاسم، ومقنع بما يكفي… إلى أن يقرر الواقع أن يضيف سطرًا آخر.
اقرأ أيضًا: كيف يُربك دونالد ترامب خصومه… ويكسب السيطرة قبل أن تبدأ اللعبة؟
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

