هناك فرق كبير بين أن تشاهد مقطع فيديو… وأن تفهم لماذا نُشر.
وهناك فرق أكبر بين أن تختلف مع الفكرة… وأن تهاجم صاحبها.
ما دفعني لكتابة هذا المقال ليس الهجوم الذي تعرّضت له، بل لأنني شعرت أن الرسالة التي أردت إيصالها ضاعت وسط سيلٍ من الأحكام السريعة.
عندما اعتلت نوال الزغبي مسرح مدينة العلوم في تونس، كانت كعادتها حاضرة بثقتها وخبرتها. وخلال الحفل، تعرّضت لموقف تقني بسيط يتعلق بالميكروفون. بالنسبة لكثيرين، قد يكون هذا مجرد تفصيل عادي، لكن بالنسبة لمنصة فنية متخصصة، فإن مثل هذه اللحظات تستحق التوقف عندها.
لم أنشر المقطع لأقول إن الميكروفون تعطّل.
بل نشرته لأنني رأيت في طريقة تعامل نوال الزغبي مع الموقف درسًا عمليًا في الاحتراف.
الاحتراف لا يظهر عندما تسير الأمور بسلاسة، بل عندما يفرض المسرح تحديًا غير متوقع، فيكون ردّ فعل الفنان هو العنوان الحقيقي لخبرته واحترامه لجمهوره.
كيف يحافظ على هدوئه؟
كيف يتابع الحفل؟
كيف يمنع موقف مفاجئ من أن يؤثر على الجمهور؟
هذه هي الرسالة التي أردت إيصالها.
كنت أرى في ذلك نموذجًا يمكن أن يستفيد منه الفنانون، والإعلاميون، وكل من يقف أمام جمهور. وحتى الجمهور نفسه قد يجد في هذه المواقف درسًا في كيفية التعامل مع المفاجآت بثقة وهدوء.
لكن، وللأسف، تحوّل النقاش من الفكرة إلى الاتهامات.
وصلتني تعليقات تقول إنني أتقاضى المال لأتحدث عن نوال الزغبي.
وهنا أقول بكل وضوح…
نوال الزغبي ليست بحاجة إلى من يشتري لها كلمات إعجاب.
تاريخها، وأغانيها، وحضورها الممتد لعقود، وجمهورها في مختلف أنحاء الوطن العربي، كلها كفيلة بأن تتحدث عنها.
أما نحن في كوليس، فنكتب لأننا نؤمن بأن الإعلام الفني لا يقتصر على نقل الأخبار، بل يقرأ التفاصيل، ويحلل المواقف، ويحوّل المواقف حتى ولو كانت صغيرة إلى قيمة يمكن الاستفادة منها.
قد نتفق…
وقد نختلف…
لكن الاختلاف لا يبرر الإهانة.
النقد حق، بل هو ضرورة لأي منصة إعلامية تحترم نفسها. وأنا شخصيًا أرحب بأي نقد موضوعي يساعدني على التطور، لأن الكمال ليس هدفًا، أما التطور فهو هدف دائم.
لكن هناك فرقًا بين النقد، وبين التجريح.
وبين من يناقش الفكرة، ومن يهاجم الأشخاص.
في كوليس، لا نكتب لإرضاء فنان على حساب آخر، ولا لنصنع بطولات وهمية، ولا لأن أحدًا يطلب منا ذلك.
نكتب لأننا نؤمن أن لكل موقف قيمة تستحق القراءة، ولكل تجربة حكاية تستحق أن تُروى إذا كانت تحمل معنى حقيقيًا.
وربما هذه هي الرسالة التي تمنيت أن تصل منذ البداية.
أن ترى في موقف صغير… فكرة كبيرة.
وأن تقرأ ما وراء الفيديو، لا الفيديو وحده.
في النهاية، سأبقى أكتب واتحدث بالطريقة التي أؤمن بها، وسأبقى أستخرج من كل لحظة فكرة تستحق النقاش، لأن هذه هي هوية كوليس منذ اليوم الأول.
وإذا اختلفت معي، فأهلًا برأيك.
وإذا رأيت أنني أخطأت، فأخبرني أين أخطأت.
أما الاحترام، فهو اللغة الوحيدة التي تستحق أن تجمعنا.
ما رأيكم؟ هل ترون أن الإعلام الفني يجب أن يكتفي بنقل الخبر، أم أن من حقه قراءة المواقف واستخلاص الدروس منها؟
اقرأ أيضًا: رامي عياش … الفنان الذي لا يغيّر أغنيته، بل يغيّر الزمن كله
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة
