لم تعد المشكلة في مواقع التواصل الاجتماعي مقتصرة على خبر كاذب أو فيديو مفبرك. أحيانا يكون التضليل أكثر تعقيدا: معلومة صحيحة، صورة حقيقية أو حديث حدث بالفعل، لكن طريقة تقديمه قد تعطيه معنى مختلفا تماما عن الأصل.

وهذا تحديدا ما أعادته الإعلامية لميس الحديدي إلى الواجهة بعد تداول منشور نسب إليها موقفا قالت إنه لا يمثل ما جرى في الحلقة ولا موقفها منه.
الحديدي ردت بوضوح، متسائلة إن كان من يعلقون على المنشور قد شاهدوا الحلقة أو سمعوها تقول الكلام المنسوب إليها. وأوضحت أن ما جرى كان حوارا بين المتحدث باسم وزارة الصحة ونقيب الأطباء، وأن دورها كان نقل الأسئلة بين الطرفين، معتبرة أن المنشور المتداول قدّم موقفها بصورة معاكسة لما حدث.
ثم وضعت يدها على المشكلة الأساسية: الحلقة موجودة كاملة على يوتيوب، لكن العودة إليها تحتاج وقتا، بينما التعليق والهجوم أسرع وأسهل.
وهنا تبدأ القصة الأكبر من لميس الحديدي نفسها.
المقطع حقيقي… فهل الرواية حقيقية؟
قد تكون الجملة قيلت فعلا، والفيديو لم يخضع لأي تلاعب. لكن ماذا قيل قبلها؟ وما السؤال الذي جاءت الإجابة عليه؟ ومن كان يتحدث إلى من؟ وماذا قيل بعدها؟ هذه التفاصيل ليست هامشية، لأنها قد تغير المعنى بالكامل.
طبيعة السوشال ميديا تقوم على الاختصار. حلقة طويلة تتحول إلى ثوان، وحوار كامل إلى جملة، والجملة إلى تصميم يحمل عنوانا حادا. ثم يبدأ التداول.
وبعد فترة قصيرة، لا يعود النقاش حول الحلقة الأصلية، بل حول الرواية التي أوجدها المنشور عنها.
وهذا ما يجعل تجربة لميس الحديدي مثالا مهما: الجمهور الذي شاهد المنشور وحده قد يصل إلى انطباع، بينما من يعود إلى الحوار كاملا قد يجد سياقا مختلفا يحتاج إلى تقييمه بنفسه.
من اختار الثواني، ومن كتب العنوان، ومن وضع التعليق فوق الفيديو، جميعهم يساهمون في الطريقة التي سيفهم بها الجمهور ما يشاهده.
وهنا يصبح السؤال ضروريا: هل ننقل ما حدث، أم نعيد بناء ما حدث بما يناسب منشورا أكثر إثارة؟
فالخوارزميات لا تسأل عن السياق. المحتوى الذي يثير الغضب والصدمة والجدل ينتشر بسرعة أكبر، والاجتزاء يقدم لها مادة مثالية: جملة قوية، عنوان حاد، ثم آلاف التعليقات.
حساب ينشر، وآخر يعيد النشر، وثالث يضيف تفسيره، وبعد ساعات قد يتحول التفسير نفسه إلى «حقيقة» يتعامل معها الجمهور وكأنها موثقة.
هناك فرق بين «قال» و«قصد»
وهذه واحدة من أهم مشاكل الجدل على السوشال ميديا.
أن نقول: «قال الشخص كذا»، أمر يمكن التحقق منه.
لكن أن نقول: «هو كان يقصد كذا»، فهذا يحتاج إلى دليل وسياق واضح. وهذا ما حدث في حلقة محمد قيس كذلك في برنامج «قصتي» مع أحمد العوضي، عندما اعتبر البعض أن حديثه عن السيارات كان تشبيها للنساء، وانتشر هذا التفسير على السوشال ميديا وكأنه حقيقة مؤكدة، رغم أن الحوار الكامل قد يعطي صورة مختلفة.

والأمر نفسه ينطبق على المذيع. فهو يسأل، يستوضح، ينقل وجهات النظر ويترك ضيفه يشرح فكرته. لذلك لا يمكن أن نأخذ سؤالا أو جملة من الحوار ونعتبرها مباشرة رأيا شخصيا للمذيع.
وهنا تصبح العودة إلى الحلقة الأصلية جزءا أساسيا من الحكم المهني.
قبل أن نحكم… هل شاهدنا الأصل؟
قصة لميس الحديدي تطرح سؤالا يتجاوز شخصها:
كم مرة حكمنا على إعلامي أو فنان أو شخصية عامة من منشور لم نتحقق من مصدره؟
وكم مرة قرأنا مئات التعليقات قبل أن نشاهد الدقيقة التي سبقت المقطع والدقيقة التي تلته؟
التحقق لا يعني الدفاع عن لميس الحديدي أو عن غيرها، ولا يعني تبرئة أي شخص من النقد. بل يعني ببساطة أن ننتقد ما حدث فعلا، لا ما قيل لنا إنه حدث.
وفي كوليس، نرى أن أحد أخطر أشكال التضليل اليوم ليس اختراع واقعة من الصفر، بل أخذ جزء من واقعة حقيقية ووضعها في سياق آخر، ثم ترك الجمهور يحاكم الشخص بناء على الصورة الجديدة.
وهنا يصبح السؤال: من يحاكم من على السوشال ميديا؟
هل الجمهور يحاكم صاحب التصريح؟ أم أن منشورا مجهولا اختار مسبقا ما سيراه الجمهور وكيف سيفهمه؟
قبل المشاركة، وقبل الغضب، وقبل الحكم، ربما علينا أن نسأل سؤالا واحدا:
أين الحلقة كاملة؟
لأن عشرين ثانية قد تكون حقيقية تماما… لكنها لا تروي دائما الحقيقة كاملة.
اقرأ أيضًا: لم تحتج «سلطنة» إلى وقت طويل حتى تعطي أول إشارة نجاح
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة
