تخيّلوا أن تستيقظوا على أغنية جديدة لفنانكم المفضّل. الصوت مألوف، وعلى الغلاف صورته، وحتى طريقة نطق الكلمات تشبهه. تستمعون إليها، تعجبكم، وترسلونها إلى أصدقائكم… ثم تكتشفون أن الفنان لم يدخل الاستوديو، ولم يسجّل كلمة واحدة لهذه الأغنية.
هل يتغيّر شعوركم تجاهها؟ وهل يكفي أن يشبهه الصوت لنقول إن هذا عمله؟
مع الحديث عن تطوّرات الذكاء الاصطناعي في الموسيقى، وهو الموضوع الذي يتناوله رامي عياش في الفيديو المرفق، تفتح كوليس نقاشًا حول مستقبل الفن: من سيصنع أغاني الغد؟ ومن سيملك حقوق استخدامها؟ وهل يمكن أن يستمر اسم الفنان في إصدار الأعمال من دون مشاركته المباشرة في كل أغنية؟
بدأت الحكاية قبل التطبيقات التي نستخدمها اليوم بعقود. ففي عام 1950، نشر عالم الرياضيات البريطاني آلان تورنغ بحثه «آلات الحوسبة والذكاء»، وطرح فيه «لعبة المحاكاة»، التي أصبحت أساسًا لما عُرف لاحقًا باختبار تورنغ. كان السؤال يدور حول إمكان محاكاة الآلة للسلوك الذكي، لكن نجاحها في تقليد الحوار البشري لا يحسم وحده مسألة امتلاكها فهمًا أو وعيًا.
وفي عام 1955، ظهر مصطلح «الذكاء الاصطناعي» في مقترح بحثي أعدّه جون مكارثي ومارفن مينسكي وناثانيال روتشستر وكلود شانون. ثم انعقد مشروع دارتموث الصيفي عام 1956، الذي يُعدّ محطة تأسيسية للمجال. لذلك، فإن ظهور المصطلح وتأسيس المجال البحثي محطتان متقاربتان، لكنهما لا تعودان إلى العام نفسه.
لم يتقدّم هذا المسار بخط مستقيم. في العقود الأولى، ظهرت أنظمة تعتمد على الرموز والقواعد والمنطق، بالتوازي مع تجارب مبكرة في التعلّم والشبكات العصبية. ثم اتّسعت الفجوة بين التوقعات والنتائج، وتراجع التمويل والاهتمام في فترات عُرفت بـ«شتاء الذكاء الاصطناعي». ولم تكن فترة متصلة؛ تخلّلتها انتعاشات، من بينها انتشار النظم الخبيرة في الثمانينيات وتجدد الاهتمام بالشبكات العصبية.
وفي عام 1997، هزم حاسوب «ديب بلو» من IBM بطل العالم في الشطرنج غاري كاسباروف. كان إنجازًا مهمًا في مهمة محدّدة، اعتمد أساسًا على البحث في النقلات وتقييمها، لكنه لم يكن دليلًا على امتلاك ذكاء عام، ولا بداية انتقال الآلات إلى التعلّم من البيانات؛ فهذا المسار له جذور أقدم.
ومع تزايد البيانات وتطوّر الحواسيب والخوارزميات، تسارعت الإنجازات. حقق «أليكس نت» نتيجة مهمة في التعرّف إلى الصور عام 2012، وأسهم في دفع التعلّم العميق إلى الواجهة. وفي عام 2016، انتصر «ألفا غو» على لي سيدول في لعبة «غو»، مستفيدًا من الجمع بين التعلّم وتقنيات البحث. وفي عام 2017، قدّم باحثون تصميمًا جديدًا للذكاء الاصطناعي يُسمّى «المحوّل» (Transformer)، يساعده على تتبّع العلاقات بين الكلمات وفهم سياقها. وأصبح هذا التصميم أساسًا لكثير من النماذج الحديثة التي تتعامل مع اللغة، مثل نماذج GPT.
وفي عام 2020، أظهر GPT-3 إمكان أداء مهام لغوية متعددة بالاستعانة بتعليمات أو أمثلة قليلة ضمن الطلب. ثم أتاح إطلاق ChatGPT في 30 نوفمبر 2022 التفاعل مع هذه التكنولوجيا لجمهور واسع عبر الحوار، وتبعه الإعلان عن GPT-4 في مارس 2023. لم تبدأ الحكاية مع تطبيق واحد، لكن سهولة الاستخدام نقلتها من اهتمام المتخصصين إلى تجارب الناس اليومية.
وفي الموسيقى، اتّخذ هذا التطوّر شكلًا يمكن سماعه. قدّم بحث MusicLM عام 2023 نموذجًا يولّد الموسيقى من وصف مكتوب، ويمكنه الاستفادة من لحن يدندنه المستخدم أو يصفّره. وفي فبراير 2026، أعلنت غوغل إدخال Lyria 3 إلى Gemini لإنشاء مقاطع موسيقية قصيرة، ثم أعلنت في مارس أدوات تشمل إنشاء أغانٍ كاملة، مع التحكم بعناصر مثل الكلمات والإيقاع والطابع الموسيقي.
لذلك، فإن سؤال «هل سيدخل الذكاء الاصطناعي المجال الفني؟» أصبحت له إجابة واضحة: لقد دخل بالفعل، ويتّسع نطاق استخدامه.
في التلحين، تستطيع أدوات التوليد تقديم أفكار ومسارات موسيقية. وفي التوزيع، تتيح بعض الأدوات تجربة آلات وإيقاعات وأجواء مختلفة. وفي الإنتاج الصوتي، توجد برامج تساعد المختصين في المزج والمعالجة النهائية. وتختلف درجة التحكم والدقة من أداة إلى أخرى؛ فالنتيجة السريعة قد تحتاج إلى تعديل ومراجعة قبل أن تصبح عملًا مناسبًا للنشر.
تخيّلوا ملحّنًا يملك فكرة جميلة، ويريد اختبارها بالبيانو، ثم بالوتريات، ثم بإيقاع مختلف. يمكن للتقنية أن توسّع مساحة التجربة وتساعده على المقارنة. وفي المقابل، قد يكتفي منتج بنتيجة جاهزة لتقليل الوقت والكلفة. وبين الاستخدامين تظهر أهمية الاختيار: ماذا نريد أن نقول بهذه الأغنية، ولماذا نختار لها هذا الشكل؟
ولم يعد الأمر يقتصر على التجارب. ففي يوليو 2026، أعلنت منصة «ديزر» أنها تستقبل يوميًا نحو 90 ألف مقطع صُنع بالكامل بالذكاء الاصطناعي. وبحسب رصدها، تجاوزت هذه المقاطع نصف الأعمال الموسيقية الجديدة التي أُضيفت إليها في بعض أيام يونيو. لكن كثرة الأغاني المنشورة لا تعني كثرة الاستماع إليها؛ فهذه الأرقام تخصّ ما يُضاف إلى المنصة، لا ما يختاره الجمهور لسماعه.
لكن السؤال الأكثر حساسية يبدأ هنا: هل يستطيع الفنان أن يبيع صوته وصورته لشركة، فتُصدر أعمالًا باسمه من دون حضوره؟
يستطيع الفنان أن يسمح لشركة باستخدام صوته أو صورته ضمن اتفاق يحدّد كيفية الاستخدام ومدّته، وبما يجيزه القانون. لكن ذلك لا يعني أنه باع جميع حقوقه؛ فحقوق الكلمات والألحان والتسجيلات تختلف عن الحقوق المرتبطة باسمه وصوته وصورته، وقد يملكها أشخاص أو جهات مختلفة. وتختلف القواعد من بلد إلى آخر، لذلك فإن امتلاك شركة تسجيلًا قديمًا لفنان لا يعطيها تلقائيًا الحق في استنساخ صوته وإنتاج أغنيات جديدة له.
وقد بدأ هذا الاتجاه يدخل الاتفاقات التجارية. ففي نوفمبر 2025، أعلنت Warner Music Group وSuno شراكة لتطوير موسيقى مولّدة بالذكاء الاصطناعي ضمن إطار ترخيص، يتضمن اختيار الفنانين والمؤلفين الموافقة على استخدام أسمائهم وصورهم وأصواتهم وأعمالهم. الإعلان يوضح اتجاهًا تجاريًا فعليًا، لكنه لا يعني موافقة جميع الفنانين أو الموافقة على كل أشكال الاستخدام.
وبناءً على هذه الإمكانات، يمكن تصوّر شركة تنتج أغنية باستخدام نسخة صوتية مرخّصة لفنان، وتعدّ مواد ترويجية بصورته الرقمية، ثم تنشر العمل من دون جلسة تسجيل أو تصوير جديدة منه. لكن تنفيذ ذلك بصورة مشروعة يتطلّب استيفاء الحقوق والتراخيص ذات الصلة؛ فالموافقة على استخدام الصوت لا تشمل تلقائيًا الصورة أو الكلمات أو الألحان.
وهنا تصبح تفاصيل الاتفاق أساسية: هل يشترط موافقة الفنان على كل أغنية؟ هل يستطيع رفض كلمات لا تشبهه؟ ما مدة الترخيص ونطاقه؟ كيف تُحسب عائداته؟ وما الذي يحدث للنسخة الرقمية بعد انتهاء العقد؟
غياب الفنان عن الاستوديو لا يجيب عن هذه الأسئلة. العقد هو الذي يحدّد مساحة قراره، ولهذا قد تكون إدارة النسخة الرقمية من أهم مسؤوليات الفنان وفريقه مستقبلًا.
وثمة سؤال آخر: لمن تعود حقوق الأغنية التي ينتجها النظام؟
إذا طلب شخص من الذكاء الاصطناعي صنع أغنية، فهذا لا يعني تلقائيًا أنه أصبح يملك حقوقها. ففي الولايات المتحدة، كتابة الطلب وحدها لا تكفي، بحسب تقرير مكتب حقوق النشر لعام 2025. أما إذا كتب الشخص كلمات الأغنية بنفسه، فيمكن حماية كلماته، حتى لو استعان بالذكاء الاصطناعي لإنتاج الموسيقى. والفرق بسيط: قد تسمح لك المنصة بنشر الأغنية والربح منها، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنك تستطيع منع الآخرين من استخدامها. وتختلف التفاصيل القانونية من بلد إلى آخر.
وإلى أين يمكن أن نصل بعد ذلك؟
قد نتمكّن مستقبلًا من تعديل الأغنية بطلب بسيط: استبدال البيانو بالعود، أو تغيير الإيقاع، أو إعادة غناء مقطع بطريقة مختلفة، ثم الاستماع إلى النتيجة وتعديلها من جديد. وقد نرى انتشارًا أوسع لفنانين افتراضيين، لهم أسماء ووجوه وأصوات مصنوعة رقميًا، تدير أعمالهم فرق بشرية وتروّج لأغانيهم. هذه احتمالات لما قد يتطوّر إليه المجال، لكن موعد انتشارها ومدى نجاحها لدى الجمهور غير محسومين.
ومن الضروري التمييز بين شخصية افتراضية يؤدي صوتها إنسان، ونسخة رقمية مرخّصة لفنان حقيقي، وشخصية يُولَّد غناؤها اصطناعيًا. قد تتشابه الصور التي يراها الجمهور، لكن طريقة الإنتاج والحقوق والمسؤولية تختلف.
فهل سنستغني عن الفنانين؟
لا يمكن الجزم بذلك. من السيناريوهات المعقولة أن يزداد الضغط على بعض الأعمال التي تُطلب بسرعة وبميزانيات محدودة، مثل موسيقى الخلفية والمقاطع الترويجية البسيطة. لكن أداء بعض المهام آليًا لا يعني انتقال محبة الجمهور تلقائيًا إلى شخصية مصنوعة.
نحن نحب أغنيات بسبب ألحانها وكلماتها، ونحب فنانين أيضًا بسبب اختياراتهم ومواقفهم وتطوّرهم وعلاقتهم بالناس. وحتى عندما يعجبنا صوت مولّد، يبقى نجاحه الجماهيري مختلفًا عن نجاح التقنية في إنتاجه. وقد يجمع المستقبل بين فنانين يستخدمون هذه الأدوات، وشخصيات افتراضية لها جمهورها، وفنانين يجعلون الأداء البشري المباشر جزءًا أساسيًا من تميّزهم.
وترى كوليس أن هذا التطوّر يستحق المتابعة، مع ضرورة الصراحة مع الجمهور: هل غنّى الفنان بنفسه، أم استُخدمت نسخة من صوته بالذكاء الاصطناعي وبموافقته، أم أن الصوت مصنوع بالكامل ولا يعود إلى فنان حقيقي؟ وفي جميع الحالات، يجب احترام حقوق الفنان والمؤلف والملحّن وسائر أصحاب الحقوق، والحصول على الأذونات اللازمة قبل استخدام أعمالهم تجاريًا.
قد يصبح إنتاج الأغنية أسرع وأسهل، لكن كثرة الأغاني ستجعل الاختيار أكثر أهمية. وربما تتعزّز قيمة الفنان في سؤال بسيط: لماذا اختار هذا العمل، وما الذي يضيفه إليه من رؤيته وتجربته؟
وأنتم، إذا أحببتم أغنية ثم اكتشفتم أن صاحب الصوت لم يغنِّها بنفسه… هل تواصلون الاستماع بالشغف نفسه؟ وهل تختلف إجابتكم إذا كان قد وافق على إنتاجها؟
اقرأ أيضًا:
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة
