موليير في تاريخ المسرح، هناك أسماء تُذكر لأنها كتبت نصوصًا ناجحة، وأسماء أخرى تُذكر لأنها غيّرت شكل الفن نفسه كما فعل موليير،
رجل لم يدخل المسرح من باب الرفاهية، بل من باب العناد، وكأنه كان يعرف منذ البداية أن طريقه لن يكون مفروشًا بالتصفيق، بل بالديون، والسجن، والرفض، والاتهامات، وربما حتى الحرمان من صلاة جنازة هادئة.
ولد موليير في فرنسا عام 1622، في وقت كان المسرح فيه يحاول أن ينتزع مكانته بين الأدب والفلسفة والدين والسلطة.
لم يكن المسرح يومها مجرد خشبة وإضاءة وجمهور، إنما كان ساحة مواجهة. ومن يقرر أن يصعد إليها، لا يواجه الناس فقط، بل يواجه أفكار عصر كامل.
كان اسمه الحقيقي جان باتيست بوكلان، ابن عائلة ميسورة، وكان والده يعمل في خدمة البلاط الملكي.
كان الطريق أمامه واضحًا: دراسة، مكانة اجتماعية، مهنة محترمة، وحياة مستقرة. لكن الطفل الذي كان يصطحبه جده إلى العروض المسرحية رأى شيئًا آخر. رأى أن الخشبة تستطيع أن تقول ما لا تقوله المجالس، وأن الضحك يمكن أن يكون أخطر من الخطب.
وهنا بدأت المعركة الأولى لموليير: مع العائلة.
والده لم يكن يريد له المسرح. كان يراه طريقًا غير مضمون، وربما غير لائق بمكانة الأسرة. لكن موليير اختار أن يخسر رضا والده بدل أن يخسر نفسه. ترك الطريق الآمن، وقرر أن يؤسس فرقة مسرحية مع مجموعة من أصدقائه. هكذا وُلد الفنان… لا في لحظة انتصار، بل في لحظة تمرد.

لكن التمرد وحده لا يكفي لصناعة المجد.
فشلت الفرقة في بداياتها. تراكمت الديون. أُغلقت الأبواب. تحوّل الحلم إلى عبء مالي. ووصل الأمر إلى أن دخل موليير السجن بسبب الديون. أي مفارقة أكثر قسوة من فنان يريد أن يضحك الناس، بينما هو نفسه عاجز عن دفع ثمن حلمه؟
كان يمكن أن يتراجع. كان يمكن أن يقول إن والده كان على حق. كان يمكن أن يعود إلى حياة مضمونة، إلى وظيفة تحفظ له صورته وراحته. لكنه لم يفعل. وكأن موليير كان يؤمن أن المسرح لا يمنح أسراره لمن يزوره لمجرد التسلية، ولكن لمن يدفع ثمنه كاملًا.
بعد خيبات باريس، خرج موليير مع فرقته إلى الريف الفرنسي. ثلاثة عشر عامًا من التنقل، من مدينة إلى أخرى، ومن جمهور إلى آخر. لم تكن تلك السنوات مجرد هروب من الفشل، بل كانت مدرسة قاسية.
هناك، عرف الناس عن قرب. رأى نفاقهم، ضعفهم، بخلهم، غرورهم، خوفهم، وتصنّعهم. وربما لهذا جاءت شخصياته لاحقًا نابضة بالحياة؛ لأنها لم تولد من الخيال وحده، بل من الاحتكاك المباشر بالناس.
كان المسرح قبل موليير يميل كثيرًا إلى الأساطير والحكايات القديمة أو الإضحاك السطحي. أما هو، فاختار أن يجعل الكوميديا مرآة للمجتمع. لم يكن يريد من الجمهور أن يضحك فقط، بل أن يضحك ثم يتوتر قليلًا، لأنه اكتشف نفسه في الشخصية التي يسخر منها.

وهنا نجد عبقرية موليير وخطورته معًا.
كتب عن المنافقين، والمتصنعين، والبخلاء، والمرضى بالوهم، والنساء الحالمات، والرجال المغرورين، وأصحاب السلطة الاجتماعية الزائفة. كان يضع العيب الإنساني على الخشبة، ثم يطلب من الجمهور أن يصفق. لكن المشكلة أن بعض الناس لا يحبون المرآة عندما تكشف وجوههم.
ومع صعوده في باريس، بدأت شهرته تكبر. دعمته السلطة الملكية، وسمح له الملك لويس الرابع عشر بأن يعرض مسرحياته في العاصمة. تحولت فرقته إلى فرقة مرموقة، واقترب موليير من البلاط، وبدأ المسرح الذي كان حلمًا مطاردًا يصبح مؤسسة محترمة. لكن النجاح لم يحمِه من الهجوم، بل جعله هدفًا أكبر.
أكبر معاركه كانت مع رجال الدين، خصوصًا بعد مسرحية طرطوف. لم تكن المسرحية، في جوهرها، هجومًا على الدين، بل على من يختبئون خلف الدين ليخدعوا الناس. لكنها أصابت منطقة حساسة جدًا. فمن السهل أن تسخر من البخيل أو المتكبر، لكن أن تقترب من المنافق المتدين، فهنا تتحول الكوميديا إلى قضية.
ثار عليه كثيرون. اتهموه، هاجموه، وحاولوا منع مسرحيته. والسؤال هنا: هل كان موليير يبالغ؟ أم أن غضبهم كان الدليل الأكبر على أنه أصاب الهدف؟
ذلك هو سر الفن الحقيقي؛ حين يضحك الجمهور، ويغضب أصحاب الأقنعة.
لم تكن حياة موليير الشخصية أقل تعبًا من مسيرته الفنية. زواجه حمل متاعب كثيرة، وصحته تدهورت، والضغوط لم تتوقف. لكنه ظل يكتب ويمثل ويدير فرقته كأن المسرح ليس مهنة، بل قدر لا يستطيع الإفلات منه.
وفي مشهد يكاد يكون مسرحيًا أكثر من المسرح نفسه، جاءت نهايته على الخشبة تقريبًا. كان يؤدي دورًا في مسرحية المريض الوهمي، العمل الذي يسخر من الهوس بالمرض والطب والأطباء، بينما كان هو نفسه مريضًا بالفعل. أكمل العرض رغم تعبه، ثم توفي بعدها عام 1673.

حتى موته لم يمر بهدوء.
رفضت الكنيسة أن تمنحه جنازة دينية كاملة بسبب عمله بالمسرح، إذ كان الممثلون في ذلك الزمن موضع شك ورفض من بعض رجال الدين. ولم يُدفن إلا بعد تدخل زوجته لدى الملك. كأن الرجل الذي أضحك فرنسا، ورفع من شأن مسرحها، لم يكن يستحق في نظر البعض حتى وداعًا عاديًا.
لكن التاريخ له رأي آخر.
اليوم، لا يُذكر موليير بوصفه ممثلًا أو كاتبًا فقط، بل بوصفه أحد أعمدة المسرح العالمي. الرجل الذي حوّل الكوميديا من تسلية عابرة إلى نقد اجتماعي عميق. الرجل الذي أثبت أن الضحك قد يكون أداة فضح، وأن المسرح قد يكون أخطر من المنبر حين يقترب من الحقيقة.
وربما لهذا بقي موليير حيًا بعد أكثر من ثلاثة قرون. لأن الشخصيات التي كتبها لم تمت. ما زال بيننا المنافق الذي يشبه طرطوف، والبخيل الذي يخاف على ماله أكثر من قلبه، والمريض بالوهم، والمتصنع، والمتكبر، والجاهل الذي يظن نفسه حكيمًا.
موليير لم يكن يكتب عن فرنسا وحدها. كان يكتب عن الإنسان عندما يضع قناعًا ويصدّق أنه وجهه الحقيقي.

وهنا يصبح السؤال الأهم:
هل انتصر موليير لأنه أسعد الجمهور؟ أم لأنه أزعج المجتمع بما يكفي ليبقى خالدًا؟
ربما التحديات التي واجهها لم تكن عقبات في طريقه، بل كانت المادة الخام التي صنعت عبقريته. فلو لم يرفضه والده، ولو لم تطارده الديون، ولو لم يدخل السجن، ولو لم يتنقل في الريف، ولو لم يصطدم برجال الدين، ربما كان سيصبح كاتبًا جيدًا فقط. لكن الألم جعله موليير.
وهذه هي المفارقة الكبرى:
أحيانًا لا يصنع الفنان مجده من التصفيق، بل من كل يد حاولت أن تدفعه خارج الخشبة.
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة

