قد تكون الكويت صغيرة في مساحتها الجغرافية، لكنها لم تكن يومًا صغيرة في حضورها السياسي، ولا في قدرتها على قراءة المشهد من حولها والتعامل مع أكثر الأزمات تعقيدًا بعقل الدولة وحسابات المستقبل.
فالقوة بين الدول ليست بعدد السكان أو باتساع الحدود، بل بقدرة الدولة على اتخاذ القرار الصحيح في اللحظة الأصعب، وبامتلاكها استراتيجية واضحة تحمي شعبها وسيادتها ومصالحها.
وهنا نفهم مصدر قوة الكويت: عقلٌ سياسي يعرف كيف يقرأ المشهد، واستراتيجية تعرف متى تتحرك، ودولة تدرك أن القوة الحقيقية تبدأ من حكمة القرار.
الكويت تعرف كيف تتعامل مع الأزمات، وتعرف متى تتحدث، ومتى تتحرك، ومتى تترك للدبلوماسية مساحتها. وهذه السياسة لم تولد اليوم، بل تشكلت عبر عقود من العمل السياسي الذي جعل الكويت واحدة من الدول الخليجية المعروفة بدورها الدبلوماسي، وقدرتها على بناء الجسور، وإدارة العلاقات المتوازنة في منطقة شديدة الحساسية.
لذلك، عندما تُقحم الكويت اليوم في مواجهة لم تخترها، وتُوجّه إليها اتهامات بالمشاركة في عمليات عسكرية ضد إيران عبر الحديث عن تزويد الطائرات المهاجمة بالوقود، فإن السؤال الأساسي يبقى: أين الدليل؟
الاتهامات السياسية والعسكرية لا تصبح حقائق لمجرد تكرارها.
هناك فرق واضح بين وجود علاقات واتفاقيات دفاعية بين الكويت والولايات المتحدة، وبين الادعاء بأن الكويت شاركت بصورة مباشرة في عملية عسكرية ضد إيران أو قدمت دعمًا لوجستيًا محددًا للطائرات المشاركة فيها.
الأمر الثاني يحتاج إلى دليل واضح وموثق قبل أن يتحول إلى مبرر لإقحام دولة وشعب كامل في حرب إقليمية.
الكويت اختارت منذ سنوات طويلة سياسة تقوم على التوازن والحوار وحماية استقرار المنطقة. كما حافظت على قنوات سياسية ودبلوماسية مع مختلف الأطراف، وعملت في أكثر من محطة على تقريب وجهات النظر بدل دفعها نحو المواجهة.
لهذا فإن محاولة تصوير الكويت كطرف يسعى إلى الحرب تتعارض مع المسار الذي عُرفت به سياستها الخارجية.
وفي المقابل، فإن الهدوء السياسي لا يعني الضعف.
هذه نقطة مهمة.
الدولة التي تختار الحكمة ليست دولة عاجزة، والدولة التي تفضّل الدبلوماسية لا تتنازل عن حقها في الدفاع عن نفسها.
الكويت تمتلك مؤسساتها، وعلاقاتها وتحالفاتها، واستراتيجيتها الأمنية والسياسية، وتعرف كيف تدير أزماتها في منطقة شهدت طوال العقود الماضية حروبًا وصراعات وتغيرات كبرى.
وتاريخ الكويت نفسه يثبت أن هذه الدولة مرت بأحد أصعب الاختبارات الوجودية في تاريخها الحديث، وعادت أكثر تمسكًا بسيادتها واستقلالها.
لهذا فإن النظر إلى الكويت من زاوية حجمها الجغرافي وحده قراءة ناقصة.
فالتاريخ السياسي يثبت أن مساحة الدولة لا تحدد حجم تأثيرها. سويسرا، على سبيل المثال، بنت مكانة دولية مهمة من خلال الحياد والوساطة و«المساعي الحميدة»، وتؤكد الخارجية السويسرية أن بلادها تؤدي دور الوسيط وتوفر منصات للمفاوضات الدولية. وسنغافورة، رغم كونها دولة صغيرة، أسست مع دول أخرى «منتدى الدول الصغيرة» لتعزيز صوت هذه الدول في الأمم المتحدة، وتؤكد سياستها الخارجية أهمية الحضور الفاعل والتمسك بالقانون الدولي والتعددية. وفي منطقتنا، هناك دول مثل قطر وعُمان التي تخوض في أدوار الوساطة والحوار، وهي أدوار حظيت بإشادة واعتراف من الأمم المتحدة.
والكويت بدورها تملك تاريخًا في الدبلوماسية والوساطة؛ فقد استضافت محادثات السلام اليمنية التي حظيت بدعم الأمم المتحدة، كما أشارت الأمم المتحدة حديثًا إلى تنامي دور الكويت في الدبلوماسية الإقليمية. وهنا تتضح المعادلة: مساحة الدولة ترسم حدودها على الخريطة، أما سياستها وحكمة قراراتها فهما اللتان ترسمان حجم حضورها وتأثيرها.
والكويت بنت حضورها على العقل السياسي، والدبلوماسية، والعلاقات الدولية، والقدرة على التعامل مع الأزمات دون اندفاع.
هذه هي القوة الحقيقية.
والحق كذلك جزء أساسي من هذه المعادلة.
فحين تكون الدولة متمسكة بسيادتها، وتحمي شعبها، وتطلب الأدلة أمام أي اتهام يوجّه إليها، فإنها تقف على أرض سياسية وقانونية صلبة.
لهذا فإن إقحام الكويت بطريقة تعسفية في مواجهة بين إيران والولايات المتحدة أمر لا يمكن التعامل معه باعتباره طبيعيًا أو مقبولًا.
الكويت ليست مسؤولة عن صراع لم تصنعه.
وشعب الكويت لا يجوز أن يدفع ثمن حسابات إقليمية ودولية أكبر منه.
من حق الكويت أن تطالب بأن تكون أي اتهامات موجهة إليها مبنية على حقائق وأدلة، وأن تُعالج عبر القنوات السياسية والدبلوماسية، بعيدًا عن لغة التهديد أو استهداف أراضيها ومنشآتها.
والأهم أن الدفاع عن النفس لا يجعل الكويت طرفًا في الحرب.
حين تحمي الدولة أجواءها وحدودها ومواطنيها، فهي تمارس حقًا سياديًا أصيلًا.
الكويت اليوم قد تكون محاطة بعاصفة سياسية وعسكرية كبيرة، لكن تاريخ الدول لا يُكتب بحجم العاصفة التي تمر فوقها، بل بكيفية عبورها.
وهنا تستطيع الكويت أن تعتمد على أهم عناصر قوتها: عقلها السياسي، خبرتها، علاقاتها الدولية، مؤسساتها، وشعب يعرف جيدًا معنى الدفاع عن وطنه.
هناك من قد ينظر إلى الخريطة فيرى دولة صغيرة.
لكن من يعرف الكويت يعرف أن المساحة لم تكن يومًا معيار قوتها.
قوتها كانت دائمًا في قدرتها على التفكير قبل التحرك، وفي صناعة المبادرات، وفي اختيار الطريق الذي يحفظ الدولة عندما تنجرف المنطقة نحو التصعيد.
لهذا، فإن الرهان الحقيقي اليوم ليس على من يرفع صوته أكثر، بل على من يمتلك العقل والاستراتيجية والقدرة على اتخاذ القرار الصحيح.
والكويت تمتلك هذه الأدوات.
الكويت ستنتصر في حماية سيادتها وحقها، لأن قوة الدول ليست فقط بما تملكه من سلاح أو مساحة، بل بمدى قدرتها على إدارة اللحظات الصعبة دون أن تفقد توازنها.
وقبل أن أنهي هذا المقال، أترك بين أيديكم هذه التساؤلات، وأدعو كل من يقرأ هذه الكلمات إلى الإجابة عنهما بموضوعية:
هل يدرك من يحاول إقحام الكويت في هذا الصراع أنه أمام دولة صنعت قوتها بعقلها السياسي وخبرتها واستراتيجيتها، لا بمساحتها الجغرافية؟
وإذا كانت الاتهامات الموجهة إلى الكويت تستند إلى حقائق فعلًا، فأين الأدلة؟ وهل يصمد أي اتهام عندما توضع الحقيقة كاملة على الطاولة؟
اقرأ أيضًا: لماذا نجحت وحدة الخليج … بينما بقيت الوحدة العربية سؤالًا بلا إجابة؟
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة
