محمد قيس من الإعلاميين العزيزين على قلبي، ومن الأسماء التي أحب متابعتها، لأن حواراته بالنسبة لي لا تنتهي بانتهاء الحلقة. دائمًا هناك قصة تبقى معنا، فكرة نتعلم منها، أو موقف يجعلنا نفكر بحياتنا بطريقة مختلفة.
تابعته في «عندي سؤال» على منصة «المشهد»، وكنت أحب طريقته في إعطاء الضيف مساحة حقيقية للكلام. واليوم، مع تجربته الجديدة في «قصتي» على منصة «شاشا»، كنت أتمنى أن أتابع كل حلقة وأكتب عنها، لكن للأسف لم تسمح لي الفترة الماضية بأن أعطي هذه الحوارات الاهتمام الذي تستحقه.
لهذا قررت أن أعود إليها.
ليس فقط لأكتب ماذا قال الضيف، بل لأبحث في كل حلقة عن الأشياء التي يمكن أن نتعلمها نحن من تجارب الآخرين. لأن بعض القصص، مهما اختلف أصحابها عنا، تحمل شيئًا نعيشه في حياتنا.
الحلقة التي اخترت أن أتوقف عندها كانت مع مايا دياب… حلقة جعلتني أفكر بأشياء كثيرة بعد انتهائها.
«أنا امرأة مكسورة… وهذا الجرح سيرافقني حتى الموت»
هذه الجملة أوقفتني وأدمعت عيني.
ربما لأنها جاءت من امرأة اعتدنا أن نراها قوية، ضاحكة، واثقة، وحاضرة أينما كانت. لكن أمام محمد قيس، ظهرت مايا دياب من زاوية أخرى.
لم تكن الحلقة عن الفن والنجاح والنجومية بقدر ما كانت عن مايا دياب نفسها، بتجاربها ومواقفها وكل ما عاشته في الحياة. شيئًا فشيئًا، دخل الحوار إلى الزواج والانفصال، الأمومة، الخذلان، الثقة، الغيرة، الأشخاص الذين حاولوا عرقلتها، والجروح التي بقيت معها رغم مرور السنوات.
إلى أن قالت:
«أنا امرأة مكسورة… وهذا الجرح سيرافقني حتى الموت.»
وهنا شعرت أن الحوار أخذ منحى مختلفًا، وسألت نفسي: ما الذي يفعله محمد قيس حتى يشعر ضيفه بكل هذه الراحة ويحكي بهذا القدر من الصراحة؟
وأنا أتابع، كان هذا السؤال حاضرًا في بالي. الجواب ربما أبسط مما نتوقع: هو يسمع.
محمد قيس لا يسأل ليصل إلى السؤال التالي فقط. يسمع الإجابة، يلتقط منها كلمة صغيرة، ثم يبني عليها.
لا ينافس ضيفه على الكلام، ولا يحاول أن يثبت في كل دقيقة أنه المحاور الأذكى في الاستديو. وهذا بحد ذاته ذكاء.
عندما تحدثت مايا عن أشخاص حاولوا عرقلتها، لم يكتفِ بالإجابة العامة. سألها: لماذا؟ وماذا يستفيدون؟
ومن سؤال بسيط، خرج حديث أكبر عن الغيرة ومحاولات التأخير، وعن قدرتها على الاستمرار، حتى قالت:
«بالي كتير طويل… نفسي طويل جدًا جدًا جدًا.» وهكذا كانت الحنكة والذكاء من سؤال صغير فتح بابًا كبيرًا.
ثم انتقل الحديث إلى زواج مايا، الذي بدأت بالحديث عنه من جانبه الجميل، قبل أن يصل الحوار إلى النهاية التي وصفتها بالقاسية.
قالت إن الزواج أعطاها ابنتها، ومنحها الاستقرار في مرحلة من حياتها، وجعلها تفهم نفسها وشخصيتها أكثر.
كان من السهل أن تنتهي الحكاية هنا.
لكن محمد سأل عن النهاية.
فقالت مايا ببساطة موجعة:
«كانت قاسية.»
ومن هنا خرجت تفاصيل لم تكن سهلة، حتى أنها روت أن عائلتها لم تعرف بانفصالها مباشرة، وأن الأمر احتاج إلى وقت قبل أن يلاحظوا أن الزوجين لم يعودا معًا.
وهنا بالنسبة لي تظهر واحدة من أصعب مهارات الحوار: أن تعرف متى تسأل… ومتى تصمت.
لكن يبقى السؤال: لماذا يشعر الضيف بالراحة مع محمد قيس؟
بكل بساطة، لأنك لا تشعر أن الضيف في تحقيق. وهذه نقطة مهمة جدًا.
هناك فرق بين أن تحاول أخذ تصريح من الشخص، وبين أن تخلق له مساحة تجعله يريد أن يحكي بنفسه.
في هذه الحلقة لم أشعر أن محمد قيس كان يطارد «الترند» أو ينتظر الجملة التي ستنتشر في اليوم التالي.
كان يتقدم معها بهدوء.
وكلما شعرت مايا بالراحة، فتحت بابًا جديدًا من حياتها.
تكلمت عن الخذلان والخيانة والثقة، عن ابنتها، عن الزواج والأمومة، عن أشخاص حاولوا عرقلتها، عن لبنان، وعن وجع ما زالت تعيشه وتشعر به.
إلى أن قالت واحدة من أكثر جمل الحلقة صراحة:
«أنا امرأة مكسورة… وهذا الجرح سيرافقني حتى الموت.»
وما الذي نتعلمه نحن؟
وهنا بالنسبة لي تأتي قيمة هذه الحوارات.
نحن لا نعيش حياة مايا دياب، لكن الكثير مما تحدثت عنه نمرّ به جميعًا بأشكال مختلفة: خذلان، علاقة تنتهي، ثقة تهتز، أو مرحلة صعبة نحتاج وقتًا طويلًا حتى نتجاوزها.
ولفتني أنها عندما قالت: «أنا امرأة مكسورة»، لم تكن تتحدث كامرأة هزمتها الحياة. بالعكس، أكملت حديثها وضحكت، وتكلمت عن ابنتها ونجاحها وطموحها والنجومية بكل ثقة.
وهذا بحد ذاته درس جميل: قد يكون في حياتنا شيء يؤلمنا، وهذا لا يعني أن تتوقف حياتنا عنده.
أما عندما وصل الحديث إلى النجومية، وبالأخص إلى الراحل سيمون أسمر وشهادته بحقها، ظهرت مايا بصورة مختلفة تمامًا… واثقة من نفسها ومن مكانها.
تحدثت بفخر عن كلام سيمون أسمر عنها، وعن الفرق، كما تراه هي، بين الفنان الناجح وبين «النجم».
فالنجومية بالنسبة لمايا ليست أغنية ناجحة أو ظهورًا إعلاميًا فقط، بل هي حضور يفرض نفسه ويشعر به الناس أينما كان النجم.
وخلال الحلقة رأينا أكثر من جانب في شخصيتها: مايا الأم، المرأة التي عاشت تجارب صعبة، الفنانة التي واجهت العرقلة، والنجمة الواثقة من نفسها ومكانها.
وهنا أيضًا تظهر قوة الحوار الجيد، عندما يجعلنا نتعرف إلى الضيف بعيدًا عن الصورة التي اعتدنا أن نراه فيها.
كلمة كوليس
خرجت من الحلقة وأنا أفكر بمحمد قيس بقدر ما كنت أفكر بمايا دياب.
لأن السؤال القوي مهم، لكن الأصعب أن تجعل الشخص أمامك يشعر بأنه يستطيع أن يجيب عنه.
محمد قيس لا يسحب الحكاية من ضيفه… يترك له المساحة حتى يحكيها بنفسه. وهذا هو بالفعل جمال وقوة الحوار.
أما مايا، فقد حكت الكثير.
عن النجاح، والغيرة، والزواج، وابنتها، والخذلان، والنجومية، وعن جرح تعترف بأنه سيبقى معها حتى الموت.
لكن أكثر ما بقي معي بعد كل هذا الكلام كان شيئًا آخر:
ضحكتها مازالت موجودة.
وربما هذه هي الحياة.
قد نحمل أشياء لا تُشفى بالكامل، وقد يبقى في نفس كل واحد منا جرح لا يعرفه الآخرون…
لكننا نكمل.
نحب، نعمل، ننجح، نضحك، ونعيش.
وهذه المرة، لم تعطنا مايا دياب تصريحًا فقط… بل شاركتنا قصة فيها الكثير لنتعلّمه.
شكرًا للإعلامي محمد قيس على حوار عرف كيف يصل إلى الإنسان قبل الفنان، وشكرًا للجميلة مايا دياب على صراحتها ومشاركتنا تجربة فيها درس جميل من الحياة.
اقرأ أيضًا: بعد أشهر من عرضه … لماذا ما زالت حلقة قصي خولي مع محمد قيس تستحق أن تُروى؟
ليما الملا

منصّة كوليس منصة إخبارية فنية إجتماعية عربية مستقلة
